أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
49
أنساب الأشراف
الهلكة ، وأنقذنا من الضلالة ، فأفضل الأئمة أحسنها لسنّته اتباعا ، وأعلمها بما في كتابه احتسابا ، وقد عمل بكتاب الله ربكم وسنة نبيكم قوم صالحون على الله جزاؤهم ، وهلكوا فلم يدعوا بعدهم مثلهم ولا موازيا لهم ، وبقي قوم يريغون [ 1 ] الدنيا بعمل الآخرة ، يلبسون جلود الضأن لتحسبوهم من الزاهدين ، يرضونكم بظاهرهم ويسخطون الله بسرائرهم ، إذا عاهدوا لم يوفوا وإذا حكموا لم يعدلوا ، يرون الغدر حزما ونقض العهد مكيدة ، ويمنعون الحقوق أهلها ، فنسأل الله ان يهلك شرار هذه الأمّة ، ويولَّي أمورها خيارها وأبرارها ، فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب اليه : بلغني انك تجلس العصرين فتفتي بالجهل ، وتعيب أهل البر والفضل ، وأظن حلمي عنك واستدامتي إياك جرّأك عليّ ، فاكفف عني من غربك ، وأربع علي ظلعك ، وأرع علي نفسك ، فكتب اليه ابن عباس : فهمت كتابك ، وانما يفتي بالجهل من لم يؤت من العلم شيئا ، وقد آتاني الله منه ما لم يؤته إياك ، وزعمت أن حلمك عني جرّأني عليك فهذه أحاديث الضّبع استها [ 2 ] ، فمتى كنت لعرامك هائبا وعن حدّك ناكلا ؟ ! ثم تقول [ 3 ] : إني ان لم أنته وجدت جانبك خشنا ، ووجدتك ( 550 ) إلى مكروهي عجلا ، فما أكثر ما طرت إليّ بشقّة من الجهل ، وتعمدتني بفاقرة من المكروه ، فلم تضرر الا نفسك ، فلا أبقى الله عليك ان أبقيت ، ولا ارعى عليك ان أرعيت ، فوالله لا انتهيت عن إرضاء الله باسخاطك . حدثنا عمرو بن محمد ، حدثنا أبو معاوية الضرير ، حدثني عمرو بن عثمان عن عبد الرحمن بن السائب عن ابن عباس أنه قال : أكرم الناس عليّ جليسي ، إن الذباب ليقع عليه فيشقّ ذلك عليّ . حدثنا سريج [ 4 ] ، حدثنا علي بن ثابت عن عبد الله بن المؤمل عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال : أكرم الناس عليّ جليسي ، أو قال : رجل تخطَّى [ 5 ] رقاب الناس حتى جلس إليّ .
--> [ 1 ] م : يزيغون . [ 2 ] في لسان العرب مادة ( سته ) : « قال أبو زيد ، وقالت العرب إذا حدّث الرجل حديثا فخلط فيه : أحاديث الضبع استها » . وانظر الأمثال للميداني ج 1 ص 135 . [ 3 ] ط : يقول . [ 4 ] م : شريح . [ 5 ] ط ، م : يخطى . !